عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 46
خريدة القصر وجريدة العصر
صلاح الدين قد تلوّنت بألوان من الهدوء والسكينة ، والحركة والاضطراب ، والحرمان والاستمتاع ؛ فلم ينقطع للتصنيف والتدريس في بيته أو في مدرسته انقطاعا تاما طوال أيام حياته كلها كما تصوره هذه الحكاية المردّدة في كل ترجماته ، ولكنه شارك بعد السلطان صلاح الدين - غير بعيد من وفاته - في بعض أعمال الدولة ، فكتب للملك الأفضل « 1 » نور الدين عليّ أكبر أولاد صلاح الدين ووليّ عهده الذي استقل بملك دمشق والساحل وما يجري مع ذلك من البلاد . ذكر ذلك العماد نفسه في بعض كتبه ، وقال : « فعرف - أي الملك الأفضل المذكور - افتقاره إلى معرفتي وفقري ، وعطل الملك ومحلّه من غزارة حلب درّي ، ونضارة حلي درّي ، فكتبت له ، وحلّيت من الملك عطله ، ووشّيت الكتب ووشّعتها ، وجلّيت الرتب ووسعتها ، وهززت اليراعة ، وأغزرت البراعة ، وهجرت الجماعة ، ولزمت القناعة « 2 » » . على أنه أشار قبل هذا إلى ما كان من حئول أحواله ، وزوال إدلاله ، وبطلان حقه ، وتنازل جاهه ، وتنازق أشباهه ، بعد وفاة السلطان صلاح الدين . ولكن أمد ذلك لم يطل عليه ؛ فما لبث الملك الأفضل ؛ بعد أن استقر الملك له بدمشق في مقام أبيه ، أن استخدمه في الكتابة له افتقارا إلى معرفته وخبرته الإدارية والسياسية التي أفادها في خدمة الدولتين النورية والصلاحية وفي مصاحبة مؤسسيها العظيمين نور الدين وصلاح الدين ومعاشرة كبار رجالهما من أمثال القاضي الشهرزوري والقاضي الفاضل وابن مصال . قال ابن كثير : « لما استقر الملك الأفضل مكان أبيه بدمشق ، بعث بهدايا سنية « 3 » إلى باب الخليفة الناصر [ لدين اللّه العباسي ببغداد ] وأنشأ له العماد الكاتب كتابا حافلا
--> ( 1 ) ترجمته في وفيات الأعيان ( 1 / 371 ) ، ومرآة الزمان ( 8 / 420 وما بعدها ) ، والبداية والنهاية ( 13 / 108 ) ، وشذرات الذهب ( 5 / 101 ) والكامل ( 12 / 176 ) . ( 2 ) الفتح القدسي ( س 356 ) ، المطبعة الخيرية بمصر ، 1322 ه . ( 3 ) قال ابن كثير : « من ذلك سلاح أبيه وحصانه الذي كان يحضر عليه الغزوات ، ومنها صليب الصلبوت الذي استلبه أبوه من الفرنج يوم حطين وفيه من الذهب ما ينيف على عشرين رطلا مرصعا بالجواهر النفيسة ، وأربع جوازي من بنات ملوك الفرنج .